السيد محمد بن علي الطباطبائي
268
المناهل
الإشارة وظهور جملة من الكتب في دعوى شذوذ المخالف وحصول الاجماع على خلافه مع أن المخالف غير معلوم صريحا ولا نسب إلى أحد على وجه التباين فاذن القول الثاني هو الأقرب ولكن لا ينبغي ترك الاحتياط الثاني هل بيع المعاطاة الخالي من اللفظ والصيغة يفيد إباحة التصرف فلو وقع الاتفاق بين المتبايعين على البيع وعرف كل منهما رضا الاخر بما يصير إليه من العوض المعين وتقابضا وتحقق جميع شرايط البيع غير اللفظ جاز لكل منهما التصرف فيما صار إليه من مال الاخر عوضا عن ماله أو لا فيحرم على كل منهما التصرف في مال الاخر ويضمن المتصرف اختلف الأصحاب في ذلك على قولين الأول انه يفيد إباحة التصرف وهو لابن زهرة في الغنية والشهيدين في اللمعة وس ولك وكل من قال بأنه يفيد نقل الملك مطلقا وقد ادعى الشهرة على هذا القول في لك والكفاية وغيرهما الثاني انه لا يحوز لكل منهما التصرف في مال الاخر وهو المحكى في المفاتيح عن العلامة وجماعة والمعتمد عندي هو القول الأول سواء قلنا بأنه مفيد للملك أم لا اما على الأول فلظهور الاتفاق عليه ولعموم قوله ص الناس مسلطون على أموالهم واما على الثاني فلوجوه منها ظهور عبارة الغنية في دعوى الاجماع على افادته إباحة التصرف ويعضده أولا تصريح المحقق الثاني في جامع المقاصد بان جواز التصرف في العين مذهب كافة الأصحاب وبأنه لا يقول أحد من الأصحاب ان المعاطاة بيع فاسد سوى العلامة في النهاية وقد رجع عنه في كتبه المتأخرة عنها وثانيا تصريحه في حاشية الارشاد بان الأظهر بين عامة المتأخرين من الأصحاب ان المعاطاة تفيد إباحة كل من العوضين لاخذه وثالثا تصريح المقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة بأنه لا قائل بان بيع المعاطاة بيع فاسد وبأنه لا شك في إباحة التصرف مطلقا بمجرده وبان الظاهر أن ذلك صار اجماعيا معللا بان القول بأنه عقد فاسد كان قولا للعلامة وقد رجع على ما نقل عنه وبتداوله بين المسلمين من زمان النبي صلى الله عليه وآله إلى الآن من غير نكير ومنها قوله تعالى : « لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ » وقد أشار إليه المقدس الأردبيلي ومنها ان كلا من البايع والمشترى بالمعاطاة الخالية من اللفظ رضى للاخر بالتصرف في ماله فالمشترى رضى للبايع بالتصرف في الثمن والبايع رضى للمشترى بالتصرف في المثمن فسلط كل منهما الاخر على ماله فيحصل لكل منهما إباحة التصرف في مال الاخر فيرتفع بذلك حرمة التصرف في مال الغير لظهور الاتفاق على جواز التصرف في مال الغير برضاه كما أشار إليه في الرياض ولعموم قوله ص لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفسه ولان الأصل إباحة التصرف في كل شئ لعموم قوله تعالى : « خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً » وغيره مما دل على اصالة الإباحة خرج من ذلك مال الغير إذا لم يأذن بالتصرف فيه بالدليل ولا دليل على خروج محل البحث فيبقى مندرجا تحته ولا يعارض هذا استصحاب التحريم الثابت قبل المعاطاة لان العمومات مقدمة عليه مع أنه لا يجرى في صوره سبق الاذن بالتصرف من جهة أخرى فتامّل وقد أشار إلى الوجه المذكور في المسالك والرياض وفيه نظر اما أولا فللمنع من إفادة المعاطاة الرضا بالتصرف ابتداء بل غاية ما يستفاد منها الرضا بأصل الانتقال لان بناء المعاطاة عادة على ذلك وهذا ليس عين الرضا بأصل التصرف فالمتصرف انما يعتقد التصرف في ملكه الذي لا يتوقف على رضاء الغير كما في سائر المعاطاة الصحيحة من البيع المشتمل على الايجاب والقبول اللفظيين وسائر شرايط الصحة والصلح والإجارة وغيرها ولذا لو منع الغير من التصرف بعد العقد لم يسمع واما ثانيا فلان الرضا بالتصرف على تقدير تسليمه انما نشأ من جهة اعتقاده صحة المعاملة وانتقال الملك وحيث لم يسلم ذلك للمعتقد يكون رضائه كالعدم للقطع بعدم رضائه بالتصرف لو علم بذلك فيندفع الإذن الصريح المنع بحسب الفحوى كالعكس وقد أشار إلى ما ذكر المحقق الثاني في جامع المقاصد وحاشية الارشاد الا ان يقال هذا يختص بجاهل الحكم وهو الفساد فعالم بالفساد لا يمكنه ذلك الاعتقاد فيرتفع المنع بحسب الفحوى وقد أشار إلى هذا في الرياض مجيبا عن ذلك الوجه ثم أجاب عن ذلك أيضا بان الموجب للجواز هو الرضا به وقد حصل ولا ينافيه الاعتقاد بكون ذلك بيعا كيف لا والمنافات لا بد من اثباتها مع اقتضاء الأصل عدمها ثم ادعى ان نظائر ذلك في الشرع كثير ثم استشهد على ذلك بان المتعاقدين لعقد النكاح مثلا إذا اشترطا قبل العقد شروطا تراضيا بالعقد عليها وتركاها في العقد هدمها العقد اجماعا نصا وفتوى ومعلوم ان الرضا بالعقد انما كان بتلك الشروط ومع عدمها لم يرضيا جزما فإذا صح العقد بدون الشرط في عقد النكاح مع عدم الرضاء مع عدمها فثبوت الصحة هنا أولى ثم أولى وقد يجاب عن ذلك أيضاً بان المنع بحسب الفحوى لو أبطل الإذن الصريح لما جاز التصرف في مال أحد مع اذنه به صريحا إذا علم بأنه لو اطلع على وجود الامر الفلاني في المأذون لمنعه منه وكذا إذا احتمل ذلك والتالي باطل للزوم الحرج العظيم فتأمل واما ثالثا فلان مجرد وجود الاذن لو كان كافيا في اباحته لجاز التصرف إذا فسد البيع باعتبار فقد شروطه من تعيين المثمن والقبض في المجلس ونحو ذلك ولجاز إذا فسد الصلح والإجارة وغيرهما من المعاملات باعتبار فقد شروطها لحصول الرضاء بالتصرف كما في محل البحث بلا تفاوت أصلا والتالي باطل لظهور الاتفاق عليه لا يقال قام الدليل على عدم اعتبار الرضاء فيما فرضت فيخرج عن حكم الأصل ولا دليل على خروج محل البحث عنه فيبقى مندرجا تحته لأنا نقول دعوى قيام الدليل الخاص فيما فرض بعيد جدا فتأمل واما رابعا فلان إباحة التصرف هنا لو كانت مستندة إلى الرضاء به للزم الاقتصار فيها على صورة اعتبار الرضاء وتحققه فلو جزءا واغمى عليه أو منع المالك من بعض التصرفات لوجب الامتناع من التصرف اما مطلقا أو في الجملة والظاهر أن القائلين بكون المعاطاة تفيد إباحة التصرف لا يلتزمون بذلك فتأمل الثالث لا فرق في المعاطاة بين المحقرات كباقة البقل وغيرها كالدار والخان والثمار والحيوانات